عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
288
اللباب في علوم الكتاب
أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه » « 1 » . وهؤلاء المؤمنون ، لما وطّنوا أنفسهم على القتل ، وغلب على ظنهم أنّهم يموتون وصفهم بأنهم يظنون أنهم ملاقوا ثواب اللّه . وثانيها : قال أبو مسلم « 2 » : معناه يظنون أنّهم ملاقو ثواب اللّه بسبب هذه الطاعة ، وذلك لأنّ أحدا لا يعلم بما فيه عاقبة أمره وإنّما يكون ظانا راجيا وإن بلغ في طاعة اللّه ما بلغ . وثالثها : أنّهم ذكروا في تفسير السّكينة قول بعض المفسّرين : إنّ التّابوت كان فيه كتب إلهيّة ، نزلت على الأنبياء المتقدّمين دالّة على حصول النّصر ، والظّفر لطالوت ، وجنوده ولكنه لم يكن في تلك الكتب أنّ النّصر والظّفر يحصل في المرة الأولى ، أو بعدها ، فهم وإن كانوا قاطعين بالنصر ولكنهم ظنّوا : هل هو في تلك المرّة ، أو بعدها ؟ ! رابعها : قال كثير من المفسرين : يظنون : أي يعلمون ، فأطلق الظن وأراد به العلم كقوله تعالى : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ [ البقرة : 46 ] ووجه المجاز ما بين الظن واليقين من المشابهة في تأكيد الاعتقاد . والمراد من قولهم : « كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ » تقوية قلوب الّذين قالوا : « لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ » ، والمعنى : لا عبرة بكثرة العدد ، وإنّما العبرة بالتّأييد الإلهي ، ثم قال : « وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ » . وهذا من تمام قولهم ، ويحتمل أن يكون قولا من اللّه تعالى ، والأوّل أظهر . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 250 ] وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 250 ) قوله تعالى : « بَرَزُوا لِجالُوتَ » في هذه اللام وجهان : أحدهما : أنّها تتعلّق ب « برزوا » . والثاني : أنها تتعلّق بمحذوف على أنّها ومجرورها حال من فاعل : « برزوا » قال أبو البقاء : « ويجوز أن تكون حالا أي : برزوا قاصدين لجالوت » . ومعنى برزوا : صاروا إلى براز من الأرض ، وهو ما انكشف منها واستوى ، وسميت المبارزة لظهور كلّ قرن
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 8 / 191 ) كتاب الرقاق باب من أحب لقاء اللّه . . رقم ( 6507 ) ومسلم الذكر والدعاء ( 14 ، 15 ، 16 ، 17 ، 18 ) والترمذي رقم ( 1066 ، 1067 ، 1068 ، 2309 ) والنسائي ( 4 / 9 ، 10 ) وابن ماجة ( 4264 ) وأحمد ( 2 / 313 ، 346 ، 420 ) ، ( 3 / 107 ) والدارمي ( 1 / 345 ، 2 / 312 ) وعبد الرزاق ( 6748 ) والطبراني في « الكبير » ( 19 / 391 ) والبغوي في « شرح السنة » ( 5 / 263 ) والخطيب ( 6 / 272 ) والحميدي في « مسنده » ( 225 ) . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 156 .